إسرائيل
مقدمة
قديمة لكنها حديثة، دينية لكنها علمانية، تقليدية لكنها كوزموبوليتية، محافظة لكنها تقدمية، مكثفة لكنها مريحة، إسرائيل بلد تلتقي فيه الديانات التوحيدية، وقد كانت، بشكل ساخر أو كنتيجة لذلك، في حالة حرب منذ تأسيسها عام 1948، ومع ذلك لا تزال تجذب المسافرين بسبب تاريخها التوراتي ومواقعها المقدسة اليهودية والمسيحية والإسلامية.
تاريخ
انتهى تاريخ كنعان القديمة، التي أعاد تسميتها بـ«إسرائيل» القبائلُ اليهودية التي استوطنتها في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، في عام 70 ميلادية مع طرد الرومان لليهود وتدمير القدس ومعبدها، القلب الروحي لليهودية. ومنذ ذلك الحين أصبح تاريخ إسرائيل هو تاريخ الشتات اليهودي. مع الحفاظ على قدر من الزواج الداخلي، انتشر اليهود في جميع أنحاء العالم المتوسطي ثم إلى وسط وشرق أوروبا وصولاً إلى الإمبراطورية الروسية، بينما كانت إسبانيا والبرتغال تطردهم في نهاية القرن الخامس عشر. بعد الخروج من شبه الجزيرة الإيبيرية، استقر كثيرون في شمال إيطاليا حيث ساهموا في نشوء النظام المصرفي الذي غذّى عصر النهضة والرأسمالية. فظائع الهولوكوست (أُبيد فيها أكثر من 6 ملايين يهودي، بما في ذلك عائلة جدتي بأكملها التي ذهبت لزيارة عمة لها في كييف من قريتها على الحدود البولندية بينما غزت ألمانيا الاتحاد السوفيتي بشكل غير متوقع)، طالبت بتصحيح مظالم التاريخ من خلال الهدف المنشود منذ زمن طويل (والذي روّجت له بلا كلل الحركةُ القومية الصهيونية) المتمثل في إقامة دولة يهودية. بريطانيا، القوة الاستعمارية التي سيطرت على المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى، وعدت بإنشاء وطن لليهود في فلسطين رغم احتجاجات العرب، وأحالت القضية إلى لجنة أنشأتها الأمم المتحدة حديثاً. صوّتت الأغلبية (بما في ذلك الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة) لصالح خطة التقسيم التي قسّمت فلسطين إلى دولة ذات أغلبية يهودية وأخرى عربية أقلية، مع منح إسرائيل الكثير من أفضل الأراضي الزراعية وتقسيم الأراضي العربية إلى جزأين منفصلين، بالإضافة إلى إبقاء القدس مشتركة. الدول العربية، بما فيها مصر والعراق والسعودية، صوّتت ضد الخطة. كما قاطع القادة العرب عمل لجنة الأمم المتحدة، وبالتالي لم يتمكنوا من إضافة وجهة نظرهم. أدى تنفيذ الخطة عام 1948 مع إعلان إسرائيل من طرف واحد استقلالها إلى اندلاع سلسلة من الحروب بينها وبين جيرانها العرب، فاستولت إسرائيل على كامل فلسطين والقدس الشرقية ومرتفعات الجولان من سوريا (وأُعيدت شبه جزيرة سيناء إلى مصر بوساطة أمريكية). عندها بدأت معاناة الفلسطينيين: اضطر أكثر من 750 ألفاً إلى الفرار من منازلهم إلى الدول المجاورة فيما يُعرف بالنكبة في مواجهة نظام احتلال يشبّهه كثيرون بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. لا يزال الوضع القائم مستمراً مع رفض القوى المتطرفة من الجانبين الاعتراف بوجود الآخر. في أحدث التطورات، شنّت حماس في غزة هجوماً وحشياً في أكتوبر 2023 أسفر عن أكثر من ألف قتيل. وردّت إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة، بتدمير غزة مع ما يقرب من 50 ألف ضحية، معظمهم من المدنيين، في ظل ذهول وتقاعس المجتمع الدولي. يظل هذا الصراع ما بعد الاستعماري الطويل الأمد مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار السياسي العالمي ويتطلب حلاً دائماً. وفي الأثناء، أدت آخر موجة تصعيد إلى تدهور مكانة إسرائيل عالمياً، إذ قطعت العديد من الدول ما بعد الاستعمارية علاقاتها الدبلوماسية معها (كولومبيا، بوليفيا، نيكاراغوا). وقد رفعت جنوب أفريقيا دعاوى إبادة جماعية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، وحصلت على أوامر توقيف بحق رئيس وزراء إسرائيل. سيستلزم حل هذه العقدة الغوردية قدراً هائلاً من حسن النية والضغط الدولي.
سياسة
إسرائيل ديمقراطية برلمانية ذات مشهد سياسي معقد وغالباً ما يكون مستقطباً. تتشكل سياسة البلاد من انقسامات عميقة بين المجتمعات العلمانية والدينية، وبين الأيديولوجيات اليسارية واليمينية، ومن الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني المستمر. تلعب المخاوف الأمنية والخدمة العسكرية دوراً مهماً في الهوية الوطنية والخطاب السياسي. غالباً ما تسفر الانتخابات الإسرائيلية عن حكومات ائتلافية، مما يعكس الطبيعة المتنوعة والمجزأة للمجتمع. وبينما تظل حليفاً وثيقاً للولايات المتحدة وقوة تكنولوجية رائدة، أدت سياساتها تجاه الأراضي الفلسطينية إلى توترات دبلوماسية، خصوصاً مع أجزاء من أوروبا والعالم العربي والقوى العالمية الصاعدة. وقد زادت الصراعات الأخيرة، بما في ذلك حرب غزة عام 2023، من توتر مكانتها الدولية، مع توجيه اتهامات بانتهاكات لحقوق الإنسان وتصاعد الدعوات لإيجاد حل للصراع ما بعد الاستعماري الطويل الأمد.
اقتصاد
تتمتع إسرائيل باقتصاد متطور للغاية قائم على الابتكار، وغالباً ما يُشار إليها باسم «أمة الشركات الناشئة». مع قطاع تكنولوجي قوي متخصص في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتقدمات الطبية، تجذب البلاد استثمارات عالمية. وتُعد تل أبيب مركزاً مالياً وتكنولوجياً ينافس وادي السيليكون في روح ريادة الأعمال. كما أن الزراعة متقدمة بشكل لافت، مع تقنيات ريّ صحراوية حوّلت الأراضي القاحلة إلى أراضٍ زراعية خصبة. وتملك البلاد أيضاً صناعة دفاعية قوية تصدّر تكنولوجيا عسكرية متطورة إلى جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، يواجه الاقتصاد تحديات، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة، ونقص المساكن، والفوارق الاقتصادية بين المجموعات الاجتماعية المختلفة. وبينما تحافظ إسرائيل على واحد من أعلى معدلات الناتج المحلي الإجمالي للفرد في المنطقة، تبقى عدم المساواة الاقتصادية مشكلة كبيرة، تؤثر بشكل خاص في المجتمعات العربية–الإسرائيلية والفئات اليهودية المتشددة (الحريديم).
الناس
يُعرف الإسرائيليون بصراحتهم ودفئهم وصلابتهم. يضم البلد مزيجاً متنوعاً من المهاجرين اليهود من أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط والاتحاد السوفيتي السابق، إلى جانب أقلية عربية تشمل مسلمين ومسيحيين ودروز. ينتج عن هذا المزيج الثقافي مجتمعٌ ديناميكي ومعقد في آن واحد. الروابط العائلية والمجتمعية قوية، والتفاعلات الاجتماعية حيوية وقد تبدو أحياناً عدوانية، لكنها دائماً مليئة بالشغف. تلعب الخدمة العسكرية دوراً حاسماً في تشكيل الهوية الإسرائيلية، إذ يخدم معظم المواطنين اليهود في قوات الدفاع الإسرائيلية، مما يعزز شعوراً بالواجب الوطني والرفاقية. كما يُعرف الإسرائيليون بروحهم الريادية وقدرتهم على التكيّف والنجاح في بيئة عالية الضغط.
ثقافة
الثقافة الإسرائيلية مزيج من تأثيرات الشتات اليهودي والتقاليد الشرق أوسطية وأنماط الحياة المتوسطية. أُعيد إحياء اللغة العبرية، وهي لغة توراتية كانت منقرضة، لتصبح اللغة الوطنية، بينما تتراوح التعبيرات الثقافية من الموسيقى الكلاسيكية ذات الطابع الأوروبي إلى البوب المتأثر باليمنية والإيقاعات المزراحية. يزدهر الأدب والمسرح والسينما، وقد حظيت السينما الإسرائيلية باعتراف دولي. حركة الكيبوتس، وهي تجمعات زراعية اشتراكية كانت يوماً ما مركزية في الحياة الإسرائيلية، تلاشت إلى حد كبير، لكن إرثها لا يزال حاضراً في الروح الجماعية للبلاد. وتُعد تل أبيب مركزاً عالمياً لثقافة ونمط حياة مجتمع الميم (LGBTQ+) والحياة الليلية، في تناقض مع الأجواء الدينية المكثفة في القدس. تحدد الأعياد مثل عيد المساخر (بوريم) والفصح (بيساح) ويوم الغفران (يوم كيبور) إيقاع الحياة، بينما تعكس احتفالات يوم الاستقلال ويوم ذكرى الهولوكوست التاريخ المعقد للأمة.
طعام
المطبخ الإسرائيلي مزيج غني من التقاليد المطبخية الشرق أوسطية والمتوسطية واليهودية. جودة الطعام وطزاجته ممتازة للغاية. الفلافل والحمص والشاورما من الأطباق اليومية الأساسية، بينما أصبحت الشكشوكة – بيض مسلوق في صلصة طماطم متبّلة – طبقاً محبوباً. الخضار الطازجة متوفرة بكثرة، مع أسواق نابضة بالحياة تعرض الزيتون والأجبان والتوابل العطرية. تمتد التأثيرات اليهودية من أطباق الأشكناز الأوروبية الشرقية مثل شوربة كرات الماتزا، إلى تقاليد السفارديم في اليخنات المطهوة ببطء مثل التشولنت. ثقافة المقاهي قوية، والإسرائيليون شغوفون بالقهوة، خصوصاً «البوطس» الكثيفة المنكّهة بالهال. حلويات مثل الرُوغَلاخ (معجنات حلوة) والملبي (مهلبية بماء الورد) تقدم ختاماً حلواً. كما يكتسب النبيذ الإسرائيلي، خصوصاً من الجليل وتلال يهودا، شهرة عالمية متزايدة.
اتصالي
زرت إسرائيل مرات عديدة، للسياحة وكذلك لزيارة الأصدقاء والأقارب. كانت لي رحلة لا تُنسى لزيارة المواقع المسيحية مع أمي وصديقتنا ماريا قبل وقت قصير من وفاة أمي، مما جعل لإسرائيل مكانة خاصة في قلبي. بعد قضاء بعض الوقت في استكشاف الحيّ medieval الأبدي الخيالي في القدس ومواقعها الدينية، والاستمتاع بالحياة الليلية ومشهد الطعام في تل أبيب، من الجيد استئجار سيارة والقيادة في أنحاء البلاد. البحر الميت أعجوبة طبيعية، وكان الطفو على سطح مياهه تجربة لا تُنسى. يمكن أن يستحق صحراء النقب والبحر الأحمر في إيلات زيارة سريعة، لكن الأجمل في الشمال. استمتعت كثيراً بزيارة المواقع المسيحية في كفرناحوم وبيت صيدا على ضفاف بحر الجليل (الذي اشتهر بيسوع الذي عاش ووعظ في جواره في معظم حياته). بالاتجاه شمالاً من هناك، يمر المرء عبر جبال خضراء جميلة قبل الوصول إلى حيفا ذات الحدائق البهائية الشهيرة الرائعة. ومن الأماكن الساحرة الأخرى قيصرية حيث كانت لهيرودس الكبير وبونطيوس بيلاطس إقامات على البحر. لوصف نصائحي للسفر في البلدة القديمة في القدس، يُرجى مراجعة القسم الخاص بفلسطين. إسرائيل غالية الثمن لكن الطعام فيها ممتاز – دائماً طازج ووفير. الخبز العربي الطازج (البيتا) والحمص والفلافل رخيصة ومتوفرة في كل مكان.
نصائح للزيارة
إسرائيل وجهة مكثفة ومجزية، لكنها تتطلب بعض التخطيط. الأمن حاضر في كل مكان – توقّع تفتيش الحقائب في الأماكن العامة ووجوداً عسكرياً، خاصة في القدس. وسائل النقل العام فعّالة، مع قطارات وحافلات تربط المدن الكبرى، لكن كل شيء يتوقف في يوم السبت (من مساء الجمعة حتى ليلة السبت)، لذا خطط وفقاً لذلك. إسرائيل غالية – الإقامة والطعام والمعالم يمكن أن تكون مكلفة، لكن المأكولات الرخيصة مثل الفلافل والحمص متوفرة على نطاق واسع. عند زيارة المواقع الدينية، ارتدِ ملابس محتشمة، خاصة في القدس. استئجار سيارة يسهّل استكشاف المناطق خارج المدن، سواء بالقيادة عبر الصحراء إلى إيلات أو تتبع التاريخ التوراتي في الجليل. البحر الميت تجربة لا بد منها – فقط تجنّب الحلاقة مسبقاً (فالملح سيلسع بشرتك!).
مساحة إعلانية